قام بكتابة هذا المقال فارع المسلمي و د. عبد الله ناشر

تربية النحل في اليمن قديمة قدم الحضارات اليمنية، إذ حافظ اليمنيون على قواعد مهنة النحالة على مر القرون، ويمكن تتبع تراثهم الغني في هذا المجال إلى ما قبل بزوغ فجر الإسلام. احتلت تجارة العسل خلال القرن العاشر قبل الميلاد المرتبة الرابعة في اقتصاد مملكة حضرموت، وكتب المؤرخ والفيلسوف اليوناني سترابو (64 ق.م – 24 م) عن العسل باعتباره من السلع الرائجة بين سكان اليمن، وعن تسلق اليمنيين الجبال بحثا عن طوائف النحل، بما في ذلك جبال بني سليم التي اشتهرت بوفرة العسل فيها وبقيت على شهرتها هذه منذ عصور ما قبل الإسلام. تغنّى الشعراء والملحنين والمطربين اليمنيين بهذا الذهب السائل الشهير كما في قصيدة ” يا عسل دوعن“،التي كتبها الشاعر حسين ابوبكر المحضار وغناها عملاق الفن المطرب ابوبكر سالم، وهي مجرد مثال على ترسّخ العسل بعُمق في الثقافة الشعبية اليمنية في وقتنا الحاضر كما كان عليه الحال قبل ألف عام.

اليوم، يُعد العسل اليمني من بين أشهر أنواع العسل في العالم وأغلاها ثمنا. تنتشر مهنة تربية النحل في معظم المحافظات اليمنية، وتحتل محافظة حضرموت المرتبة الأولى من حيث كمية إنتاج العسل، تليها شبوة وأبين والحديدة. يُعزى تميّز العسل اليمني إلى تنوّع المراعي النحلية المنتشرة في البيئة اليمنية التي تنتج أنواعا مختلفة من العسل، حيث يشتهر اليمن بتنوع طبوغرافي كبير يبدأ من السواحل وينتهي بالمرتفعات الجبلية، فضلا عن تعاقب السهول والوديان والصحاري، وهو ما انعكس على التنوع النباتي الغني. يُسمى العسل نسبة إلى النبات الذي جُمع منه الرحيق، وشجر السدر يُنتج منها أجود وأنقى أنواع العسل. تنتشر أشجار السدر – المعروفة أيضا باسم شوكة المسيح أو شجرة العناب (Ziziphus spina Christi) – بكثرة في اليمن ويتغذى النحل من رحيق أزهارها ، ليُنتِج ما يُعرف بعسل السدر المشهور بنقائه كعسل خام طبيعي خالٍ من المواد الكيميائية. لا يقل سعر الكيلو الصافي من العسل المُنتج من أشجار السدر عن 75 دولار أمريكي داخل اليمن، بينما يُباع الكيلو الواحد منه خارج اليمن بمبلغ قد يصل لـ 500 دولار أمريكي.

حتى وقت قريب، كان إنتاج العسل يُعد تجارة مربحة لليمنيين، حيث صُنف العسل عام 2003 كأحد السلع الاستراتيجية الخمس التي أعلنت عنها الحكومة اليمنية لأهميتها في رفد اقتصاد البلاد. عام 2002، قدرت الإحصائيات الرسمية لوزارة الزراعة اليمنية عدد النحالين اليمنيين بـ 81,734 نحال. تُعد مهنة النحالة اليوم واحدة من أهم مصادر الدخل التي تعيش عليها الكثير من الأسر ذات الدخل المحدود في اليمن (لا سيما في المناطق الريفية). قدّر تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2020 أن حوالي 100,000 أسرة تعمل في قطاع إنتاج العسل، مشيرا إلى إقبال عدد متزايد من الشباب اليمني على هذه التجارة. تسببت الحرب منذ اندلاعها في تغيير خصائص قطاع تربية النحل، من قطاع يهيمن عليه نحالون متمرسون توارثوا قواعد المهنة عن آبائهم، إلى قطاع يشهد إقبالاً متزايداً من العديد من السكان المستجدين في هذا المجال، بما في ذلك الموظفين الحكوميين ممن لم يتلقوا رواتبهم بانتظام منذ اندلاع النزاع وسعوا إلى الانخراط في أنشطة جديدة مدرة للدخل للعيش عليها، فضلا عن النازحين داخليا ممن لجأوا إلى تربية النحل بعد انتقالهم من المدن إلى المناطق الريفية حيث تتواجد المراعي النحلية. ورغم أن هذه التحولات في القطاع قد تبدو واعدة من الناحية النظرية، ينظر النحالون التقليديون إلى التغييرات السريعة التي أحدثتها الحرب في قطاع تربية النحل كتهديد مطرد لهذه المهنة العتيقة.

 

فضلا عن ذلك، يواجه قطاع تربية النحل في اليمن تحديات متزايدة اليوم، أبرزها توقف تصدير العسل إلى الأسواق الخارجية، والصعوبات في التنقل بطوائف النحل بين المراعي المختلفة بسبب الألغام الأرضية وانتشار نقاط التفتيش الأمنية؛ وارتفاع أسعار الوقود المنزلي، مما أدى إلى الاحتطاب الجائر لأشجار السدر (لاستخدامها كحطب)؛ وآثار تغيّر المناخ؛ وتعرض طوائف النحل للتسمم نتيجة حملات الرش بالمبيدات الزراعية؛ وفرض رسوم تعسفية على النحالين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في إطار نظام جباية الزكاة. وعلى ضوء ما تقدم، تستكشف هذه المادة بعض التحديات الرئيسية التي يعاني منها قطاع تربية النحل وإنتاج العسل في اليمن منذ اندلاع الحرب، وتستند في ذلك إلى مصادر شفهية ومكتوبة، بالإضافة إلى حلقات نقاشية أجراها المؤلفان مع عدد من النحالين اليمنيين.

مهنة مُهددة بالاندثار

يشتهر العسل اليمني بخصائصه العلاجية كونه غالباً يُنتج بطريقة عضوية، ولذا حظي دوماً باهتمام كبير مع تنامي الطلب عليه. كانت منطقة الخليج أكبر سوق لتصدير العسل اليمني خلال العقود الأخيرة. وفي أوج ازدهار تجارة العسل، ذاع صيت نحالين معروفين من شبوة وحضرموت ممن لهم زبائن من أفراد الأسر الحاكمة والشيوخ في الخليج كانوا يحجزون طلبياتهم من العسل مسبقا (أحيانا قبل سنوات) عبر تُجار وسطاء من أصول يمنية مقيمين في السعودية أو في بلدان الخليج الأخرى. ورغم استمرار الطلب على العسل اليمني، أدت القيود المفروضة على الشحن وحركة البضائع والأشخاص منذ اندلاع الحرب إلى صعوبة تصدير السلع من اليمن الأمر الذي أثر على هذا القطاع المربح لشريحة السكان التي تعمل في تربية النحل وتجارة العسل. مع بداية النزاع، توقفت شركات الشحن العالمية مثل DHL و FedEx وغيرها عن العمل في اليمن، مما حَرم منتجي العسل من إمكانية الوصول إلى الأسواق الخارجية. في وقت لاحق، تحديداً عام 2016، دفع تفشي الكوليرا في اليمن العديد من الدول – منها الأردن ومصر – إلى فرض حظر على المنتجات الزراعية القادمة من اليمن بما في ذلك العسل والأسماك (فاقم الأمر تضخيم منظمات الإغاثة الدولية أعداد الإصابات والوفيات المبلغ عنها بغرض استقطاب تمويلات أكبر). ازدادت الأمور تعقيدا مع تراجع الثقة في جودة العسل اليمني خلال السنوات الأخيرة بسبب شيوع ممارسة خلط أنواع رديئة من العسل مع العسل اليمني بين التجار الساعين إلى زيادة أرباحهم، الأمر الذي يستدعي تطبيق ضوابط صارمة لاستعادة مكانة وسمعة العسل اليمني وإنشاء مختبرات متخصصة في اليمن تُصدر شهادات ضمان جودة العسل للمشترين قبل تصديره، وهي تدابير غير معمول بها حاليا في اليمن. بمجرد استئناف الصادرات مستقبلاً، سيحتاج اليمن أيضا إلى الحفاظ على مكانة العسل اليمني في الأسواق الخارجية، كونه يمثل أحد أثمن صادرات البلاد.

عرقلة حركة النحالين بسبب انتشار الألغام الأرضية ونقاط التفتيش الأمنية

لا يزال قطاع تربية النحل في اليمن تقليديا يعتمد على الترحال والتنقل بين المراعي المختلفة طوال العام. وعلى عكس معظم منتجي العسل حول العالم ممن يعتمدون غالباً على مناحل ثابتة تُرعى في المزارع، يعتمد النحالون اليمنيون على ترحيل طوائف النحل بين الجبال والوديان والسهول بحثاً عن المراعي المناسبة. حالهم حال الرعاة، يتعرض النحالون لخطر الإصابة أو الموت جراء الألغام الأرضية المزروعة التي أصبحت منتشرة في مراعيهم على نطاق واسع منذ بدء الحرب. فضلا عن ذلك، أدى الانتشار الكثيف لنقاط التفتيش الأمنية خلال فترة النزاع إلى تعطيل حركة التنقل من مرعى إلى آخر والتي كانت تُعد سلسة فيما مضى. يحتاج النحالون إلى نقل طوائف النحل ليلا – حين يكون النحل أقل نشاطا – الأمر الذي يزيد من صعوبة المرور عبر نقاط التفتيش الأمنية التي تترصد أي تحركات خاصة بعد حلول الظلام. ساهمت القيود المفروضة على تحركات النحالين – ممن يتم غالبا إيقافهم أو تأخيرهم عند نقاط التفتيش – في عدم استغلال مناطق شاسعة تصلح كمراعي للنحل، وهو ما أدى إلى قلة الإنتاج الكلي للعسل، بل وفي بعض الحالات، تكبُّد النحالين خسائر كبيرة بسبب هلاك طوائف النحل بأكملها. كما أن تقييد الوصول الى المناطق التي لا تزال غير مستغلة بسبب المعارك المستمرة أو انتشار الألغام الأرضية يؤدي إلى تكدس طوائف النحل في المراعي التي يسهل الوصول إليها والتي قد لا تستوعب الأعداد الزائدة من النحل. أشارت إحدى النحالات من وصاب بمحافظة ذمار إلى أن “النحلة لا تأكل من رحيق زهرة أكلت منها نحلة أخرى”، وهو ما يُبرز التحدي الناجم عن التنافس على المراعي المحدودة بين النحالين.أكد نحالون آخرون على هذا بالقول إنه حين يتكدس النحل السارح في مرعى معين، ينتهي به الأمر بالعودة إلى خلاياه جائعا وأحيانا يأكل العسل الذي أنتجه بالفعل.

إجراءات تعسفية لجباية الزكاة من النحالين

رجل يمرّ أمام محلات تجارية في سوق عتق بمحافظة شبوة حاملاً بيده جردل عسل ، 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020// صورة لمركز صنعاء بعدسة سام تارلينغ

يواجه النحالون في المناطق الخاضعة لسلطة الأمر الواقع في صنعاء ضغوطا إضافية نتيجة مطالبتهم بدفع زكاة على النحل والعسل. حدّد قانون الزكاة اليمني لسنة 1999 بوضوح نسبة الزكاة المستحقة على العسل، وفي الماضي، كانت الزكاة تُحدد وفقا لعدد كيلوغرامات العسل التي ينتجها النحالون سنويا، لكن تغيّر ذلك مؤخراً حيث تتم جباية الزكاة من النحالين وفق كمية طوائف النحل التي يمتلكونها، وهذه إشكالية حقيقية، نظراً إلى أن طوائف النحل قد تنتج في بعض السنوات كمية قليلة جدا من العسل أو قد لا تنتج أي عسل على الإطلاق. أضف إلى ذلك أن النحال قد لا يبيع كامل العسل المُنتج لديه، لا سيما النحالين الأشد فقرا ممن يستخدمون غالبا العسل للاستهلاك الشخصي أو لمقايضته بسِلَع أساسية أخرى. تتفاقم معاناة النحالين أثناء نقل طوائفهم من منطقة إلى أخرى، إذ يتم احتجازهم عند نقاط التفتيش بحجة عدم دفع الزكاة، فيصبح النحال أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما الإذعان ودفع الزكاة وفقاً للتقديرات العشوائية للعناصر المتواجدة في نقطة التفتيش (بالمخالفة للقانون) أو الامتناع عن الدفع، وفي هذه الحالة يتم احتجاز طوائف النحل مما يعرضها للموت البطيء. غالبا ما يجد النحالون أنفسهم في وضع يجبرهم على الدفع تفادياً لإلحاق الضرر بطوائفهم، بل الأكثر مرارة حين يضطر النحالون في بعض الحالات إلى دفع الزكاة مرةً أخرى في كل مرة يقومون فيها بنقل طوائف النحل من منطقة إلى أخرى تخضع لسلطة الأمر الواقع صنعاء، الأمر الذي يثقل كاهلهم بأعباء مالية إضافية ويجعل الحياة صعبة على أولئك الذين تحملوا أوزار الحرب للحفاظ على تجارتهم.

آثار تغير المناخ وتداعيات الحرب تُهدد أشجار السدر في اليمن

تنتشر أشجار السدر عبر وديان وسهول وجبال اليمن، من المناطق الساحلية حتى المرتفعات الجبلية التي تقع على ارتفاع 2500 متر فوق مستوى سطح البحر. تتميز هذه الأشجار بقدرتها على البقاء في مناطق تتدنى فيها معدلات هطول الأمطار (50-300 ملم سنويا) وكذلك في المناطق الصحراوية القاحلة حيث يمكنها تحمل درجات الحرارة العالية والجفاف. يُنتَج من هذه الأشجار ما يُعرف بعسل السدر– الأكثر شهرة في اليمن من بين أنواع العسل اليمني، وأكثرها رواجا. يتم تصنيف عسل السدر وفقا للمناطق التي أنتج فيها ، مثلا عسل السدر الدوعني (يُنتج في وادي دوعن بمحافظة حضرموت)، والسدر العُصيمي (يُنتج في منطقة العُصيمات بمحافظة عمران)، والسدر الجرداني (يُنتج في مديرية جردان بمحافظة شبوة)، والسدر الوصابي (يُنتج في منطقة وصاب بمحافظة ذمار). تنتشر أشجار السدر المعمرة (التي قد تمتد أعمارها إلى مئات السنين) بكثافة في هذه المناطق المتميزة بعدم وجود مراعي نحلية تزهر في نفس الفترة مع أشجار السدر، مما يعني أن جودة عسل السدر المُنتج من هذه المناطق عالية جداً بسبب تغذي النحل حصريا من رحيق أزهار هذه الأشجار.

خلايا نحل قرب شجرة سدر خارج مديرية عتق في محافظة شبوة. يتغذى النحل في اليمن على أشجار السدر ليُنتج أحد أجود أنواع العسل اليمني. 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 // صورة لمركز صنعاء بعدسة سام تارلينغ

تتأثر مواسم إزهار أشجار السدر بطبيعة الأمطار غير الموسمية في اليمن الناجمة عن تغير النمط المناخي، مما يشكل تحد على النحالين لتقدير أفضل موسم يسرح فيه النحل لجمع الرحيق. فضلا عن ذلك، أدى هطول الأمطار الغزيرة في السنوات الأخيرة إلى تساقط أزهار السدر قبل تمكّن النحل من جمع رحيقها. من جانب آخر، تنامت ظاهرة الاحتطاب الجائر للأشجار، لا سيما أشجار السدر، من قبل السكان المحليين مع ارتفاع الطلب على الحطب لاستخدامه كوقود للطهي والتدفئة في ظل أزمة نقص الوقود وارتفاع تكلفة غاز الطهي، وتردي الظروف المعيشية واستشراء الفقر في اليمن الذي يدفع السكان إلى اجتثاث الأشجار وبيع الحطب للحصول على المال وكسب لقمة العيش. كما أدى نزوح السكان من مناطق المواجهات المسلحة، لا سيما المناطق الساحلية، إلى قطع مزيد من الأشجار من قبل النازحين لاستخدامها في بناء منازل من القش أو لإنتاج الفحم النباتي. ورغم عدم توفر دراسات تظهر مدى تضرر الغطاء النباتي في اليمن – أي المراعي النحلية عامة وإنتاج العسل خصوصا – من ظاهرة قطع الأشجار، يبدو أن الاحتطاب الجائر ظاهرة منتشرة على نطاق واسع بما في ذلك في المحميات الطبيعية كمحمية عُتُمة. والأكيد أن تداعيات تغير المناخ سيكون لها تأثير دائم على البيئة اليمنية في ظل الاحتمال الضئيل لاستثمار الحكومات القادمة في خطط وبرامج لتعويض المراعي النحلية المدمرة والمفقودة بالمعدل المطلوب، مما سينعكس بشكل واضح ليس فقط على سبل عيش السكان، بل أيضا على المهنة القديمة في اليمن التي سعى الأجداد للحفاظ عليها جيلا بعد جيل.

تسمّم النحل بالمبيدات الزراعية

تعد سلالة النحل اليمني (Apis mellifera jemenetica) سلالة صحية، إذ تتميز بصغر حجمها وقوتها وقدرتها الكبيرة على مقاومة أمراض النحل الشائعة. يتجنب النحالون اليمنيون عموما المواد الكيميائية التي يشيع استخدامها عالمياً لمكافحة الأمراض التي تصيب النحل (وعادة ما ينتج عنها بقايا في العسل خاصة المضادات الحيوية)، وهو أحد الأسباب وراء ارتفاع الطلب على العسل اليمني. إلاّ أن حملات الرش المكثفة للمبيدات الزراعية التي نُفذت مؤخراً تُعد أحد المهددات الرئيسية لطوائف النحل في بعض مناطق اليمن، وغالبا ما تُنفذ حملات الصحة العامة هذه بعد مواسم الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة التي تزيد من خطر انتشار أمراض مثل الملاريا، وكذلك تفشي الجراد الذي يمكن أن يدمر المحاصيل والمراعي. شهد العام 2020 والأشهر الأولى من العام 2021 حملات مكثفة لمكافحة الجراد نفذتها وزارة الزراعة والري في المناطق الخاضعة لسلطة الأمر الواقع في صنعاء، إلى جانب حملات مكافحة البعوض التي نفذها برنامج مكافحة الملاريا التابع لوزارة الصحة والسكان. ألحقت هذه الحملات أضراراً بالغة بطوائف النحل، لا سيما في المناطق الغربية الممتدة من الحدود مع السعودية جنوبا إلى محافظة تعز. كما أفادت تقارير عن تنفيذ حملات الرش دون سابق إنذار، رغم القرار الوزاري الذي ينص على إعطاء النحال إشعارا مسبقا قبل خمسة أيام للسماح له بأخذ الاحتياطات اللازمة. كل هذه العوامل أسهمت في تضرر طوائف النحل بشكل كبير.

وأخيرا، يجب التنبه إلى آثار الحرب على قطاع تربية النحل وتجارة العسل الذي تميز به اليمن واشتهر به على مدى قرون. على سبيل المثال، عادة ما ينقل النحالون اليمنيون طوائفهم إلى تهامة (تحديداً محافظة الحديدة) مرة واحدة في السنة بحثا عن المرعى المناسب لها لتتغذى من أشجار تهامة المعروفة بفوائدها الصحية للنحل. لكن منذ اندلاع معركة الحديدة في عام 2018، لم يتمكن النحالون من الوصول إلى هذه المراعي بسبب انتشار الألغام الأرضية ، ضمن أسباب أخرى. يقول أحد النحالين من سكان وصاب “الأمر أشبه بطفل ينمو دون بروتين” في معرض حديثه عن أهمية مراعي النحل في تهامة لصحة وحياة النحل المُنتِج للعسل اليمني، بسبب كونها مراعي غنية بحبوب اللقاح الضرورية لتكاثر حضنة النحل.

حماية مهنة الأجداد في اليمن

“وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)”

القرآن الكريم – سورة النحل – الآيتان 68 – 69

سُميت السورة السادسة عشر من القرآن الكريم بـ”النحل”، وتشرح آياتها دورة حياة النحل لبني البشر. فالنحل مخلوقات متعاونة تعمل باجتهاد وكفاءة وتنسيق، وبالتالي تحظى بمكانة في الدين الإسلامي باعتبارها من المعجزات الإلهية. في الموطن الذي ازدهرت فيه مراعي النحل لعدة قرون، وفي خضم الحرب التي تهدد بتمزيق أوصال اليمن وشرذمة أبنائه، تبرز أهمية التكاتف والتوحد أكثر من أي وقت مضى من أجل الحفاظ على قطاع تربية النحل، وأيضا الحاجة إلى الإقرار بالأزمة التي يعاني منها قطاع إنتاج العسل في اليمن.

إن أهمية النهوض بقطاع إنتاج العسل في اليمن لم يعد مرتبطاً فقط بما يحققه من دخل للعديد من الأسرة ذات الدخل المحدود، بل بإسهامه في رفد الاقتصاد اليمني ككُل. لقد باتت أقدم مهنة في اليمن مهددة بسبب تداعيات الصراع الدائر فضلا عن آثار تغير المناخ. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى حماية قطاع إنتاج العسل لما ينطوي عليه من إمكانات واعدة بالنسبة للمجتمعات الريفية في اليمن إذا ما ازدهر، وهو ما يتطلب تدخل السلطات المختصة للنهوض بهذه التجارة القديمة قدم حضارة اليمن. عملياً، يعني هذا تسهيل تنقل النحالين في مختلف مناطق البلاد، من باب الإقرار بأن حرمان الأسر التي تعتمد في دخلها على هذه المهنة – في ظل التعقيدات الممارسة عند نقاط التفتيش وتأخير مرور طوائف النحل – سينعكس سلبا على توفير متطلبات الحياة اليومية لهذه الشريحة من السكان، ناهيك عن التهديدات التي تتعرض لها البيئة اليمنية لما يلعبه النحل من دور رئيسي في الحفاظ على التنوع البيولوجي وضمان بقاء النباتات وتكاثرها. كما يتعين رفع العبء الإضافي عن كاهل النحالين المضطرين لدفع زكاة غير مبررة على النحل والعسل، والتي غالبا ما تُفرض تعسفيا من قبل العناصر المرابطة عند نقاط التفتيش كشرط للعبور، وهو ما يُحتم الالتزام بتطبيق أحكام قانون الزكاة اليمني رقم (2) لسنة 1999 ، لاسيما المادة 16.

من ناحية أخرى، يجب إلزام حملات رش المبيدات الزراعية التي تُنفَّذ في إطار حملات الصحة العامة بتقديم إشعار مسبق للنحالين لاعطائهم الفرصة لاتخاذ الإحتياطات اللازمة لحماية طوائفهم من الأضرار التي قد تلحق بها. ومن هذا المنطلق، يتعيّن النظر في مساءلة الجهات ذات الصلة وإلزامها بدفع التعويضات للنحالين الذين فقدوا مصدر دخلهم نتيجة تضرر طوائفهم بسبب حملات الرش غير المدروسة. تشمل الخطوات الضرورية الأخرى للتخفيف من الانعكاسات السلبية على قطاع تربية النحل في اليمن اتخاذ تدابير تضع حدّا للاحتطاب الجائر في المراعي النحلية وتفرض عقوبات على استخدام الحطب في المطاعم والمخابز حيث يتوفر عادة الغاز المنزلي. كما يجب تبني استراتيجيات طويلة الأجل تشمل خطة تشجير واضحة تهدف إلى استعادة المراعي النحلية التي دُمرت و فُقدت خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بأشجار السدر والسمر والسلام، وتخصيص موارد لهذا الغرض. قد يستلزم ذلك دعما منتظما لمشاريع تربية النحل من قبل المنظمات الدولية والجهات المانحة، بشرط مراعاة الظروف والسياق والاعتماد على خبرة وتقاليد النحالين اليمنيين. وعلى غرار النحل الذي يعتمد على التنسيق الدقيق كاستراتيجية للبقاء، يحتاج النحالون أيضا إلى تنظيم صفوفهم بشكل أفضل للدفاع عن قضاياهم واحتياجاتهم، وهو ما سيتطلب إنشاء نقابات أو اتحادات أقوى من تلك الموجودة حالياً في اليمن، تكون بمثابة منبر لحماية القطاع بشكل أفضل وإيصال أصوات النحالين إلى صُناع القرار.

 

نشر هذا المقال في مركز صنعاء