المحكمة (حيناً تكون محكمة حديثة وأحياناً شخصية اجتماعية) التي تنظر القضية، مر بجوار بيت خصمه وناداه باسمه حتى يترافقا في طريقهما ليكونا خصمين لمدة 20 دقيقة أمام القاضي، ثم يخرجا من جديد فيدعو أحدهما الآخر لتناول الغداء. فاليمني يمكنه دعوتك إلى وليمة قد تكلفه كل ما في جيبه، لكنه لن يتنازل لك عن شبر من الأرض ولو كان لا يمثل أي قيمة مادية. وفي الوقت نفسه، يعرف حدود خصومته معك، بما لا يتجاوز العلاقة الإنسانية ولا يجرحها.

ثنائيات بلا خصومات شخصية

على الصعيد السياسي، وخلال نصف قرن مليئة بثنائيات الحرب والصراعات، لم تحدث خصومات شخصية أو انسانية أبعد من معطيات الموقف السياسي أو حالة الخلاف واضحة المعالم. ابتداء من تصنيف “الجمهوري – الملكي” إبان ثورة أيلول/ سبتمبر 1962 في الشمال، ثم تصنيف “الرجعي – التقدمي” إبان ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1967 في الجنوب، ثم عاد الأمر فتحول إلى التصنيف الحزبي – الإيديولوجي بعد الوحدة 1990.

لكن سرعان ما انتكست هذه المرحلة الناضجة من العمل السياسي، إلى تصنيف “وحدوي – انفصالي” بعد حرب 1994، شرخ اليمن الأكبر، ليتحوّل التصنيف مرة أخرى منذ مطلع الألفية الجديدة إلى تنافس حزبي بين تكتل اللقاء المشترك المعارض وحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، وليشهد انتكاسة أخرى بعد العام 2011، على أساس تصنيف اشد تمييزاً وهو “ثائر – نظام سابق”، ثم ليتحول لاحقاً الى “شباب أحزاب – شباب مستقلين”.

وعلى الرغم من بعض الحالات الدموية التي تخللت التصنيفات السابقة فتجاوزت حدود الخلاف الى خصومات شخصية مرّة ودموية، فإن هذا التجاوز كان مؤقتاً ولم يلمس الشارع العام، فيميز العامة ويصنفهم إلى فئات تبنى علاقاتها فيما بينها وفقاً لها. فقد ظلت التجاوزات محصورة بالنخب. وخلال هذه الفترات، ظل المثقف المستقل محل تقدير من طرفي الخلاف ليسعى كل منهما لكسبه إلى صفه، مع توفير غطاء أخلاقي لموقفه يضمن له الحماية من الاتهامات أو العداء وأحياناً شكل نقطة التقاء بين الطرفين.

تغير الأمر؟

منذ 2011 وحتى الوقت الراهن، شهدت طبيعة علاقة اليمنيين ببعضهم البعض عاصفة غير مسبوقة من التصنيف السلبي العدائي القمعي واللاإنساني القبيح. ولم يقتصر الأمر على النخب بل انتشر بسرعة بين الأفراد بمن فيهم منْ لا يمارسون السياسة بشكل مباشر. وتحول الاستقطاب السياسي إلى استقطاب اجتماعي/ فئوي/ طائفي، صعّد أوراق الخلاف التي تثار بشكل رسمي أحياناً، وتمتلئ بها وسائل إعلام جميع الأطراف. كما أن أطراف الخلاف لم تعد ثنائية كالسابق وإنما تشتتت إلى أطراف مفرخة ومستنسخة بل ومستوردة أحياناً.

هناك فرز جنوبي شمالي تعدى استعداء الجنوبيين لسلطة صنعاء نتيجة ما ألحقته بهم من ظلم وتهميش، ليصل إلى العداء للشمالي العادي الذي تعرّض للقتل والنهب والطرد في مناطق جنوبية عدة، كأنه سبب كل مظالم الجنوب وليس ضحية لسلطة صنعاء بشكل آخر. وهناك فرز ايديولوجي متعدّد لم يظهر من قبل.

فالسلفيون تحولوا إلى مجرد تكفيريين يستحقون القتل والتهجير من قبل الحوثيين، والحوثيون تحوّلوا أيضاً إلى مجرد روافض شيعة يجب قتالهم بفتاوى جهادية سلفية، وبالمثل أصبح الإخوان المسلمون عند الحوثيين مجرد مخلوقات غير إنسانية هدفها خدمة أمريكا وإسرائيل ومحاربة الحوثيين الذين “يرفضون الاستعمار وموالاة الغرب”، وبالحدة نفسها ينظر الإخوان المسلمون إلى الحوثيين كمجرد أدوات إيرانية لزعزعة الوضع في اليمن، ومؤخراً تحولوا أيضاً إلى حلفاء للأسد بل والسعودية والإمارات وكل من يعادي نظام مرسي في مصر.

وعلى ضوء ذلك، شهدت اليمن اشتباكات مسلحة عدة سقط فيها المئات من القتلى وآلاف الجرحى والمهجرين. بل شهدت أسوأ استهداف تعرض له نسيجها الاجتماعي والانساني.

ويتم استغلال تلك الصراعات لقمع أي رأي قد تختلف معه، حتى لو تناقض أبطالها في مواقفهم. فمثلا ، قبل أكثر من عام، كان أي منتقد للسعودية في اليمن بنظر الإخوان هو “حوثي”، ولكنه الآن لم يعد كذلك وانما أصبح بطلاً استثنائياً!.

وفي وسط كل هذه التصنيفات العدائية التي تشتت معها وبها الشارع العام، يقف نظام الرئيس هادي عارياً يتلقى ضربات جميع الأطراف، لأن إضعاف الدولة هو أسهل وأسرع طريق ليحقق كل طرف مصالحه. انما الأبعد من ذلك هو تورط نظام الرئيس نفسه في هذه المعركة عبر وصف كل من يختلف معه بأنه “نظام سابق”. والمضحك في الامر أن الرئيس هادي وأركان نظامه لم يكونوا سجناء رأي في نظام صالح بل كانوا جزءاً منه.

والمثقف؟

المثقف/ الكاتب المستقل نادر وثمين، وهو مستعدى ومتهم من الجميع، وتكاد تنعدم فرصه في الحياة خارج اطار الاستقطابات الرديئة.

لم يعد باستطاعتك انتقاد موقف طرف معين مهما كان خاطئاً إلا بأن تسارع الى الاشارة الى الموقف الخاطئ الموازي لخصمه، وإلا بات يمكنك التعرض لمخاطر حقيقية في ظل غياب سلطة الدولة بشكل شبه كامل. تنتقد الإخوان المسلمين؟ حسناً. يجب بالمقابل حشر أي هفوة ارتكبها الحوثيون في سياق رأيك وإلا كنت حوثياً بنظر الإخوان، والعكس صحيح. انت تبارك الامور حزمة واحدة، جميعها، ولا تفكر بالخطوات وبأنك قد تختلف هنا وتتفق هناك.

فإياك أن تنتقد تجاوزات الحراك الجنوبي إلا وأن تقرن ذلك بوصف سلطة صنعاء بكل ألفاظ الظلم والإقصاء والدكتاتورية والنهب، وإلا كنت شماليا تستغل ثروات الجنوب وتقف ضد مطالبة فصيل من أبنائه بفك الارتباط مع الشمال. لا تنتقد فتاوى وتشدد السلفيين من دون الإشارة إلى رجعية الحوثي وأفكاره العنصرية ومحاولته إعادة الماضي للسيطرة على اليمن بحجة الولاية. وأنت تنتقد الحوار أو لجانه، فقط لأنك لست فيه. وهذه كلها عوارض المفهوم الغنائمي المريض.

قانون الاستقطاب

لم تشهد اليمن هذه الدرجة من الترهيب والترويع الفكري المسبق في تاريخها قط. اطراف سياسية رديئة، ولكنها جميعا مستعدة لتصدر الاحكام وتقمع اي صوت نقدي، ليس فقط لانه ليس معها، وانما ايضا لانه ليس مع الطرف الآخر الرديء ايضا، ويشكل وجوده معضلة قيمية واخلاقية لكل تشنجها الخطابي والفكري.

وفي النهاية، فالمشكلة هي انك طرف يرفض قسمة اليمن وتفسيرها بناء على وجهتي نظر أحاديتين.كل طرف يريد حقه كما يقال ريفياً “بالحبل والذراع”، أي مكتملاً غير منقوص كما يقيس الفلاح الجشع أراضيه (التي غالبا ما ورثت او امتلكت بطرق مشبوهة).

ويبدو أن أصالة شرف العداء، والترفع عن صغائره، قد تاهت مخالفة تقاليد الفلاح الطيب الذي يحترم خصمه حتى في أشد الظروف. أهلا بكم في اليمن، حيث السياسة والمواقف ايضاً بـ”الحبل والذراع”.

نشر هذا المقال في السفير العربي