كما تثبت التجربة في اليمن، لن يكون في مقدور أي أنموذجٍ لحلّ النزاع تحقيق السلام على الأرض، إلا إذا ترافق مع قيادة سياسية ماهرة، ومع التزام دولي فعلي بمعالجة الأزمة الاقتصادية.


تمّ الاحتفاء باليمن، على مدى ثلاث سنوات، بأنه نموذج ناجح لعملية التدخّل الدولي الهادف إلى احتواء أزمة استثارها الربيع العربي، وهذا على الأقل من جانب الأمم المتحدة ومختلف سفراء مجلس الأمن الدولي، والأهم من طرف المبعوث الخاص للأمم المتحدة جمال بنعمر، الذي أعلن اليوم استقالته بعد أن أمضى أربع سنوات في هذا المنصب.

بيد أن الوضع المتدهور في البلاد، بعدما أطاح المتًمردون الحوثيون الرئيس عبد ربه منصور هادي في أواسط كانون الثاني/يناير  2015 وضع حدا لهذا الحديث. وبدءاً من 25 آذار/مارس، عندما شنّ تحالف عربي مع دول أخرى تدخلاً عسكرياً، ازداد الوضع سوءاً بما لايُقاس.

دور جمال بنعمر وإرثه

حين تسنّم جمال بنعمر مهمته كمبعوث خاص للأمم المتحدة إلى اليمن في نيسان/إبريل 2001، كان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح يدرك أنه لن يستطيع الصمود طويلاً في وجه العديد من التيارات المعارضة التي تكاتفت لإطاحته. وهذا ماسهّل مهمة المبعوث الدولي الخاص الذي توسّط، جنباً إلى جنب مع السعودية ودول أخرى، لتنفيذ ما أُطلِق عليه اسم “المبادرة الخليجية”، التي دعت إلى استقالة صالح وتسليم السلطة إلى هادي، نائب الرئيس، في إطار عملية انتقال مخطّط لها. وبعد أشهر عدة من المفاوضات، وعلى الرغم من تصاعد أعمال العنف، كان هادي في نهاية المطاف قادراً على تبوّؤ منصب الرئاسة في شباط/فبراير 2012 بفضل تدخّل دولي ودعم يمني كثيف، كجزء من عملية انتقال كان يجب ألا تتجاوز السنتين.

إن إجادة بن عمر مغربي المولد اللغةَ العربية، سمح له بالتعاطي مباشرة مع السياسيين اليمنيين، متجنّباً بذلك العقبات اللغوية التي غالباً ما أعاقت عمل السفراء الأجانب في اليمن. وهذا ساعده على الظفر في صراعات على النفوذ مع دبلوماسيين آخرين في اليمن. لقد ساعدته لغته العربية على كسب معركة النفوذ التي خاضها مع دبلوماسيين اخرين ، كالسفير الاميركي الأسبق في اليمن.  هذا علاوة على أن كون اليمن أقل تعقيداً من بلدان كسورية وليبيا، إذ كان لايزال من الممكن احتواء الأزمة فيه، خاصة أن التدخل الاجنبي حينها كان محدوداً في اليمن ، عَضَد أيضاً ساعد المبعوث الدولي الذي توافر له عددٌ من الفرص لدفع العملية الانتقالية قدماً إلى الأمام.

بيد أن موقع بنعمر المُهيمِن عنى أيضاً أن الكثير يعتمد على طريقة أدائه. فقد كان من الصعب على شخص واحد أن يتدبّر بفعالية كل المسارات الموازية لعملية صنع السلام في اليمن ومن حوله. ثم أن إقدام بن عمر على تغيير الفريق الصغير من مساعديه باستمرار، لم يفعل شيئاً لتحسين الوضع: فخلال سنوات ثلاث، تغيّر فريقه ثلاث مرات على الأقل. والحصيلة كانت نقصاً مطّرداً في التنسيق بين مكتب بن عمر وبين مكاتب البعثات الدبلوماسية في اليمن، بل وحتى مع هيئات في الأمم المتحدة الأخرى. وهكذا أدّى احتكار بن عمر للسلطة إلى غياب أي سياسة دولية متّسقة. وحين لم يَعُد المبعوث الدولي يقود، تجمّدت عملية الانتقال بسرعة فائقة.

على سبيل المثال، كان أحد أسباب انهيار اتفاقية السلام والشراكة الوطنية للعام 2014 بين الحوثيين وحكومة الرئيس هادي، هو أن مكتب المبعوث الدولي ركَّز بمفرده  بشكل كلي  تقريباً على تنفيذ أحد بنودها، وهو تشكيل لجنة التفسير المشتركة التي نصّت عليها المادة 16 من الاتفاقية. وهنا، لم يتشاور المكتب مع المُوقّعين المحليين والدوليين على الاتفاقية ولا مع المُشرفين عليها، ماسمح لبنعمر بالحفاظ على سيطرته على العملية برمّتها. لكن، وبما أنه كان خارج اليمن خلال معظم فصل الشتاء، لم يُحرَز تقدّمٌ يُذكَر في الأشهر الحاسمة التي تلت توقيع الاتفاقية. كما اشتكى العديد من القادة اليمنيين من أنهم لم يطّلعوا على الاتفاقية إلا في الدقائق الأخيرة قبل التوقيع. والحال أن بنعمر تفاوض على هذه الاتفاقية لأيام عدة مع قائد المتمردين عبد الملك الحوثي، من دون أن يُطلِع أحداً على تفاصيل الاتفاقية.

ولذا، التحوُّل إلى الحرب والتدخّل الدولي في اليمن، هما في الواقع حصيلة التعثّرات في النموذج اليمني. ومن خلال رعاية المفاوضات بين الحوثيين والأحزاب السياسية الأخرى، غداة قيام الحوثيين بوضع الرئيس هادي قيد الإقامة الجبرية، وإعلانهم دستورهم الخاص في كانون الثاني/يناير، كان بنعمر عملياً يعترف بالأمر الواقع الذي فرضه الحوثيون، وهذا قرع أجراس الموت بالنسبة إلى العملية الانتقالية.

انهيار “النموذج اليمني”

لايُعزى الوضع في اليمن طبعاً إلى جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة أو غيابها فقط. فالعديد من القضايا المحلية والإقليمية والدولية المتداخلة ساهم في انهيار العملية السياسية، بما في ذلك الصراع السعودي-الإيراني، والصراع الإقليمي مع الإخوان المسلمين وضدهم.

في نهاية المطاف، يرتبط الفشل أيضاً بالمبادرة الخليجية الأصلية التي أُطلِقَت في العام 2011، وبمفهوم الحلّ التوافقي التدريجي والمقايض للأزمة اليمنية الذي نصّت عليه. فالمبادرة منحت صالح ومعاونيه حصانة من أي ملاحقة قانونية، وتحاشت معالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكِبَت في انتفاضة العام 2011. وهي لم تشترط على صالح أن يتخلّى في المقابل عن السياسة. ومع أنه تخلّى عن الرئاسة على مضض في العام 2012، إلا أن الزعيم اليمني السابق لايزال ناشطاً للغاية، وهو \يسّر التمدّد الحوثي إلى صنعاء في العام 2014، وساعد في التخطيط لإطاحة الرئيس هادي في العام 2015.

فشل النموذج اليمني أيضاً في الأخذ بعين الاعتبار أن التعامل مع دولة كاليمن، الذي هو ضعيفاً ومعرَّضاً إلى مخاطر أمنية حادّة، يتطلّب تحسين مؤسسات الدولة ودعم اقتصاد البلاد بهدف إحداث فارق ملموس للمواطنين. لكن عوضاً عن ذلك، استمر اليمنيون المحبطون في الوقوع فريسة الاستقطاب السياسي وجهود التعبئة التي قامت بها الجماعات المسلحة كالحوثيين أو تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

بالنظر إلى العملية السياسية الدقيقة التي كانت تخوضها البلاد، كان يجب أن تكون خريطة الطريق أكثر واقعيةً من تلك التي وضعتها المبادرة الخليجية. فهوسُها بالسرعة كان له تأثيرات سلبية، إذ فرضت إقامة مؤتمر حوار وطني من دون أي تحضير فعلي له. هذا الأمر أدّى للأسف إلى نقاشٍ حول شكل النظام السياسي حتى قبل معالجة التظلمات العاجلة. وقد أدّى بالتحديد الجدول الزمني الذي نصّت عليه المبادرة إلى وضع مسودة الدستور على عجل، وتقسيم الاقاليم في مهلة زمنية قياسية مدّتها أسبوعين، وإلى محاولة لفرض الدستور قبل طرحه للاستفتاء. كل هذه الخطوات أسفرت عن حالة من الحنق العام المحلي استخدمها الحوثيون لصالحهم عندما استولوا على صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014.

تغييرات ضرورية في تدخّل الأمم المتحدة

إذا أُريد لأي نموذجٍ لحلّ النزاع أن يكون ناجحاً، ينبغي أن يتجنّب الوقوع تحت ضغط الوقت، وألا يناقش القضايا السياسية والإدارية قبل حلّ المشاكل العاجلة. لابد أيضاً أن يُقِرّ بالحاجة إلى نزع السلاح من اللاعبين غير الحكوميين في جوانب النزاع كافة.

نظراً إلى غياب التنسيق بين الدول الراعية للمبادرة الخليجية وبين مكتب بنعمر، وغيابه بين بنعمر والأمم المتحدة نفسها، وإلى السمعة السيئة لهذه الأخيرة في اليمن حالياً، ينبغي على الأمم المتحدة أن تنتهز الفرصة التي تمثّلها استقالة بن عمر كي تعيد توزيع صلاحياته على عدد من الهيئات الدبلوماسية الدولية. فالعمل في اليمن لايمكن أن يقوم به مكتب واحد فقط، بغضّ النظر عمَّن سيحلّ محل بنعمر.

وكما اثبتت التجربة في اليمن، لن يكون في مقدور أي نموذجٍ لحلّ النزاع تحقيق السلام على الأرض، إلا إذا ترافق مع قيادة سياسية ماهرة، ومع التزام دولي فعلي بمعالجة الأزمة الاقتصادية. إن دعم نائب الرئيس المُعيَّن حديثاً، خالد بحاح، يمكن أن يشكّل وسيلةً من الوسائل لتمكين قيادة جديدة تدريجياً، تتولّى دفة الحكم بدلاً من هادي الذي فشل في قيادة العملية الانتقالية بشكل فعّال في السنتَين الماضيتَين.

لكن الأهم هو ألا يُسمَح لليمن بأن يتحوّل إلى ساحة للصراعات الإقليمية، كما هي حال سورية اليوم أو لبنان قبلها. العمل العسكري وحده لن يُرسي السلام في اليمن، والتدخّل الذي تقوده السعودية لايستطيع القضاء على صالح أو الحوثيين بالكامل من دون تدمير اليمن. لكن من المحتمل أن يكون اليمن الثمرة الأولى للاتفاق النووي بين الغرب وإيران، إذا أعطى ذلك الولايات المتحدة حريةً أكبر للانخراط مع الداعم الرئيس للحوثيين، أي إيران، سواء من خلال الضغط أم عبر الدبلوماسية. عندئذ قد يصبح اليمن الإنجاز الفعلي الأول لنظام إقليمي جديد يتمثّل بالتحالف الناشئ بين تركيا ومصر والسعودية.

نشر هذا المقال في مركز كارنيغي